تحت جلد الوعي: رحلة جماعية إلى
أغوار الذات حيث يسكن الصمت
مقدمـــــــــــة
ليس سهلاً أن تكتب عن كتاب كنتَ أحد
صُنّاعه.
فأنت لست قارئًا محايدًا يقف على الضفة،
ولا ناقدًا يتأمل المشهد من الخارج. أنت من مشى في دهاليز هذا العمل، من ترك شيئًا
من روحه بين سطوره، من جلس أمام الورق في ليلة باردة وسأل نفسه: هل أستطيع أن أكون
صريحًا ولو لمرة؟
هذا ما فعلته حين كتبت نصي "نصوص
لا تقال بصوت مسموع". لم أكن أبحث عن بلاغة ولا عن استحسان. كنت أبحث عن خلاص
صغير. عن لحظة يخرج فيها ما تراكم في صدري عبر سنين من الصمت المهذب، والابتسامات
المجاملة، والأقنعة التي ارتديناها حتى ظنناها وجهنا الحقيقي.
ثم وجدتني لست وحدي.
وجدت العشرات غيري يفعلون الشيء نفسه،
كلٌ بأسلوبه، كلٌ بجرحه، كلٌ بأمنيته المؤجلة. اجتمعنا من تسعة بلدان عربية، من
الجزائر وتونس والمغرب، من سوريا وفلسطين ولبنان، من اليمن والسعودية والسودان، من
مصر والعراق وتشاد. لم نلتقِ في مكان واحد، لكننا التقينا في سؤال واحد: ماذا لو
واجهنا ظلنا بدل الهروب منه؟
منذ تلك اللحظة، لم يعد "تحت جلد
الوعي" مجرد مشروع أدبي. صار مرآة جماعية، وصرنا نحن الكتّاب مرايا لبعضنا
البعض.
هذا المقال ليس تقديمًا لكتاب. هو
اعتراف إضافي، خارج الدفتر الأخضر. هو نصٌ آخر كان لا بد أن يُقال.
عندما يغرق العالم في
ضجيج الإشعارات وسباق الصور المفلترة، يأتي هذا الكتاب ليذكرنا بأن أعماقنا لا
تزال هناك… تنبض، تتألم، وتحلم. "تحت جلد الوعي" ليس مجرد عمل أدبي
جماعي، بل هو مرآة مدّتْها أقلام عربية من تسعة بلدان، لتنظر فيها إلى ذاتها بصدق
لا يجيده إلا من جرؤ على مواجهة ظله.
حين
يتكلم اللاوعي بلغة الجمال
منذ الصفحات الأولى، يفتك الكتاب أسوار
الصمت. تحت إشراف الكاتبين محمد تريكي وفاطمة منزول، يتحول النص إلى مسرح للاوعي،
حيث تخرج الوحوش التي ربيناها في زوايانا المظلمة، ليس كعدو، بل كجزء منا يستحق أن
يُرى. في فصل "وجوه الظل"، نكتشف أن الخوف ليس هزيمة، بل رسالة. وأن
الكوابيس ليست كوابيس بقدر ما هي مرايا.
تكتب إحدى المشاركات: "الظل لا
يتبع الجسد فقط… بل يتبع العقل، خوفه، جروحه، ذكرياته. حين يفتح الظل فمه، ينكشف
كل شيء. لا يعود بوسعك الكذب على نفسك".
هذه ليست كتابة هروب. إنها كتابة
مواجهة.
الورق…
ذلك الملجأ الصامت
في زمن تموت فيه الكلمات قبل أن تُقال،
يحتفظ هذا الكتاب بعلاقة خاصة مع الورق. ليس كأداة، بل ككائن حي يتنفس. في فصل "الورق
كملجأ"، تتحول الصفحات البيضاء إلى صدور تتسع، وحضن لا يشترط. تقول إحدى
الكاتبات:
"الورق
يسمع أكثر من أي إنسان… هنا تُواجه الروح ذاتها بلا أعذار، بلا تراجع، بلا رحمة".
هذه النصوص ليست مما يقال في المجالس.
إنها همسات الليل، واعترافات تأخرت سنين، وكلمات كادت تموت في الحلق لولا أن الورق
أنقذها.
في مقال سابق لي، كتبت عن تلك اللحظة
التي يتحول فيها الدفتر إلى صديق: "الدفتر الأخضر باقٍ. ربما سأضيف إليه
اليوم: «اليوم أخبرتكم قليلًا عن الدفتر نفسه. هذه أيضًا كانت نصًا لا يُقال.
والآن قد قيل.«
الجيل
العالق… بين الشاشة والروح
ربما يكون فصل "الجيل
العالق" الأكثر إيلامًا في صِدقه. نحن، جيل الضوء الأزرق، نبحث عن هويتنا بين
الإعجابات والمتابعين، ونخاف الفشل قبل أن نجرب. لكن الكتاب لا يكتفي بالتشخيص؛ بل
يلامس الجرح بيد واعية:
"نحن
جيل غريب قليل… نمسك الهاتف بيد، ونحاول التمسك بالحياة التي عرفها السابقون باليد
الأخرى، ثم ندرك شيئًا فشيئًا أننا فقدنا القدرة على التمييز بين ما نعيشه فعلًا،
وبين ما نقنع أنفسنا بأننا نعيشه".
إنه صوت جيل يبحث عن نفسه في زمن يسرق
منه الوقت قبل أن يفكر.
جذور
تتنفس… لا تنام
لا ينسى الكتاب من أين جاء. في فصل "جذور
تتنفس"، نسترجع الحكايات الشعبية، وذاكرة الأجداد، وصوت الجدات تحت ضوء
المصابيح. لكنه ليس استرجاعًا حنينيًا عابرًا، بل إعادة قراءة للتراث كحاضر لا
ماضٍ:
"التراث
ليس صندوقًا منسيًا في زاوية بيت طيني… بل هو القلب الذي يخفق داخل كل فرد، هو
اللمسة الأولى التي تضعها الأرض على جبين أبنائها".
فلسطين…
صوت لا يغيب
في زمن تتبدل فيه الأولويات، يضع هذا
الكتاب القضية الفلسطينية في صميمه. ليس كفقرة عابرة، بل كجرح مشترك، وكقضية وعي:
"فلسطين
تُربّي فيك وعيًا لا يشيخ، وحزنًا لا يهدأ، وقلبًا لا يستطيع أن يكون محايدًا
أبدًا".
إنه صوت لا يبحث عن شفقة، بل عن عدل.
ووعي لا يطلب إعجابًا، بل صحوة.
بين
الخاتمة والبداية
يقول الكتاب في خاتمته: "بين
صفحات هذا الكتاب، لم تكن الكلمات مجرد حروف مصطفة، بل جسورًا امتدت بين أعماق
الذات والواقع".
وهذا هو جوهر "تحت جلد
الوعي". إنه ليس كتابًا يُقرأ ثم يُغلق. بل هو باب يُفتح، ثم نعود إليه كلما
اشتد بنا الصخب.
للكتاب مذاق خاص لمن عاشوا الكتابة.
ليس سهلاً أن تفتح قلبك لمئات العيون، أن تقول "أنا لست بخير" أمام قارئ
لا تعرفه. لكن هذا ما فعله أكثر من ستين كاتبًا من الجزائر، تونس، المغرب، سوريا،
لبنان، فلسطين، اليمن، السعودية، السودان، مصر، العراق، وتشاد. قدموا جراحهم،
أحلامهم، أسئلتهم المؤجلة، في عمل واحد. لم يبحثوا عن شهرة، بل عن لحظة صدق مع
أنفسهم… ومعك.
"تحت
جلد الوعي" هو شهادة على أن الأدب حين يكون صادقًا، يتحول إلى وطن. وطن لا
يُحتَل، ولا تُغلق حدوده.
أما لك… أيها القارئ،
كل ما عليك هو أن تفتح الصفحة
الأولى،
وتجرؤ على النزول… إلى حيث يسكن
صمتك.
✦ خاتمة :
إلى القارئ الذي يقرأ بقلبه.
الآن، بعد أن أنهيت كتابة هذا المقال، أعود لأفتح دفتري القديم ذاك. الغلاف الأخضر الباهت لا يزال هناك. الصفحات نفسها، الحبر نفسه، الكلمات نفسها التي كتبتها وأنا أظن أن لا أحد سيراها.
لكنني أدركت شيئًا:
الكتابة لا تحتاج إلى قارئ لتكون حقيقية. تكفيها أنها كانت صادقة.
هذا الكتاب الذي بين يديك الآن — أو بين عينيك على الشاشة — لم يكتبه كتاب محترفون يبحثون عن جائزة، ولا أدباء كبار يضيفون عملاً جديدًا إلى سيرهم الذاتية. كتبه أناس عاديون، مثلي ومثلك، كانوا يوماً في غرفهم المظلمة، وقرروا أن يمسكوا أقلامهم لا ليكتبوا قصيدة، بل لينقذوا أنفسهم من الغرق.
هذا هو سر هذا الكتاب.
ليس سرّه في جمال نصوصه فقط، بل في جرأة كتّابه على قول: "أنا لست بخير"، دون أن يخافوا من نظرة المجتمع أو حكم الأصدقاء أو سوء الفهم.
لقد تعلمت من تجربتي في هذا الكتاب شيئًا ربما لم أكتبه في نصي، لكني سأكتبه هنا:
أن تكون كاتبًا حقيقيًا، لا يعني أن تملك أسلوبًا جميلاً، بل أن تملك شجاعة أن تكون أنت — بكل هشاشتك، بكل تناقضك، بكل ما تخشى أن يراه الآخرون فيك.
الآن، بعد أن أغلقت الدفتر، أدرك أن الرحلة لم تنتهِ.
فالوعي لا يُفتح مرة واحدة. إنه باب
نطرقه كل يوم، نفتحه قليلاً، ثم نغلقه، ثم نعود إليه. وكل مرة نكتشف فيه غرفة
جديدة، وجهاً جديداً من وجوهنا، سراً جديداً كنا نخبئه حتى عن أنفسنا.
"تحت
جلد الوعي" ليس كتابًا يُقرأ ثم يُرفع على الرف. إنه مرآة ننظر فيها كلما
نسينا من نحن.
بقلم: عدة إبراهيم
كاتب ومشارك في العمل الجماعي
تيسمسيلت، الجزائر

إرسال تعليق